عضوية المرأة العمانية في مجلس الشورى: من المشاركة المحدودة إلى التمثيل المضمون
تحتفل سلطنة عمان في السابع عشر من أكتوبر من كل عام بيوم المرأة العمانية، وجاء احتفاء عام 2026 تحت شعار «هي عُمان» شريكة في بناء الحاضر والمستقبل. وقد اكتسب هذا الاحتفاء أهمية خاصة هذا العام بفضل توجيه سامٍ من حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، يقضي بتخصيص مقعد إضافي للمرأة في مجلس الشورى عن كل محافظة، بإجمالي أحد عشر مقعدًا. ويُعد هذا التوجيه محطة نوعية في مسيرة تمكين المرأة سياسيًا، بعد عقود من المشاركة التي اتسمت بالتفاوت بين حضورها القوي في الناخبات وضعف تمثيلها في المجلس المنتخب.
نبذة تاريخية عن مشاركة المرأة في الشورى
بدأت المشاركة السياسية للمرأة العمانية في مجلس الشورى منذ الفترة الثانية (1994-1997)، حيث فازت امرأتان لأول مرة هما طيبة المعولية وشكور الغمارية عن ولايتي مسقط والسيب. ومنذ ذلك الحين، ظل تمثيل المرأة محدودًا رغم منحها حق الترشح والتصويت على قدم المساواة مع الرجل. في معظم الفترات لم يتجاوز عدد العضوات واحدة أو اثنتين من أصل نحو ثمانين إلى تسعين مقعدًا. ففي الفترة التاسعة (2019-2023) فازت امرأتان فقط، بينما شهدت الفترة العاشرة (2023-2027) غيابًا تامًا للمرأة، إذ لم تفز أي مرشحة من بين 32 امرأة تنافسن ضمن 843 مرشحًا على المقاعد التسعين.
وقد بلغت نسبة الناخبات في انتخابات 2023 نحو 48%، مما يعكس وعيًا متزايدًا ومشاركة واسعة في التصويت، إلا أن ذلك لم يترجم إلى فوز نسائي. ويُعزى هذا التفاوت إلى عوامل متعددة، منها طبيعة الدوائر الانتخابية القائمة على الولايات، ومستوى الدعم المجتمعي للمرشحات، وصعوبة المنافسة في بيئة تقليدية نسبيًا، رغم الكفاءات النسائية العالية في التعليم والاقتصاد والخدمة العامة.
التوجيه السامي بتخصيص 11 مقعدًا إضافيًا
في يونيو 2026، وجه جلالة السلطان هيثم بن طارق بتخصيص مقعد إضافي للمرأة في كل محافظة من محافظات السلطنة الإحدى عشرة، تُضاف إلى المقاعد العامة المتاحة للتنافس. وأكد معالي السيد حمود بن فيصل البوسعيدي، وزير الداخلية، أن هذا التوجيه يأتي لضمان تمثيل دائم للمرأة من مختلف المحافظات وتعزيز قاعدة المشاركة المجتمعية.
وتتمثل آلية التنفيذ في الإبقاء على نظام الترشح الحالي، حيث تتنافس المرأة على مقعد ولايتها أسوة بالرجال. أما المقعد الإضافي فيُمنح للمرشحة التي تحقق أعلى نسبة من الأصوات ضمن ولايتها مقارنة بالمرشحات الأخريات في محافظتها. وإذا فازت امرأة بالمقعد العادي للولاية، يظل المقعد الإضافي متاحًا لمرشحة أخرى في المحافظة. وبهذا يضمن التوجيه حدًا أدنى من التمثيل النسائي دون إلغاء مبدأ التنافس الحر.
الأهمية والتأثير المتوقع
يُمثل هذا القرار نقلة نوعية لأنه يعالج فجوة مزمنة في التمثيل المنتخب، بعد أن سجلت انتخابات 2023 صفرًا من النساء في المجلس. ويأتي متسقًا مع مستهدفات رؤية عمان 2040 التي تؤكد على الشراكة الشاملة والتمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. كما أشارت السيدة الجليلة، حرم جلالة السلطان، في كلمتها بمناسبة يوم المرأة العمانية 2026، إلى أن هذا الامتياز السامي يؤكد المكانة الأصيلة للمرأة ويمكّن دورها في بناء الوطن بما يواكب متطلبات العصر ويستشرف المستقبل.
ومن المتوقع أن يسهم حضور إحدى عشرة امرأة على الأقل في إثراء النقاشات البرلمانية، خاصة في القضايا المتعلقة بالأسرة والطفل والتعليم والصحة والعمل، وتعزيز تنوع الرؤى في مراجعة التشريعات ومناقشة السياسات العامة. كما يُشكل نماذج ملهمة للأجيال الشابة، ويشجع مزيدًا من النساء على الترشح في المستقبل، مما قد يؤدي إلى ارتفاع عدد الفائزات بالمقاعد التنافسية أيضًا.
السياق الأوسع لتمكين المرأة
لا تقتصر جهود التمكين على مجلس الشورى. فالمرأة العمانية حاضرة بقوة في مجلس الدولة (المعينة)، وفي مجلس الوزراء، والدبلوماسية، وقطاعات الطاقة والبيئة والتعليم والريادة. ويُعد التوجيه الأخير امتدادًا لنهج القيادة الحكيمة الذي يرى في المرأة ركيزة للنهضة وحارسة للقيم وصانعة للأجيال، تحت شعار «هي عُمان».
يبقى نجاح هذه الخطوة مرهونًا بترجمة الفرصة إلى مشاركة فاعلة، من خلال دعم المرشحات، وتطوير برامج التمكين القيادي، وتعزيز الوعي المجتمعي. ومع اقتراب انتخابات الفترة القادمة (المتوقع في 2027)، تتطلع السلطنة إلى مجلس شورى أكثر توازنًا يعكس حقيقة أن المرأة شريكة أساسية في بناء حاضر عمان ومستقبلها.