ظاهرة النينو وتأثيرها على سلطنة عمان
تُعد ظاهرة النينو (El Niño) واحدة من أبرز الظواهر المناخية الطبيعية واسعة النطاق التي تؤثر في أنماط الطقس والمناخ على مستوى العالم، بما في ذلك سلطنة عمان. تنشأ هذه الظاهرة نتيجة التفاعل بين المحيط الهادئ والغلاف الجوي، وتحدث عندما تضعف الرياح التجارية الشرقية، فتنتقل المياه الدافئة من غرب المحيط الهادئ نحو وسطه وشرقه، مما يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة سطح البحر فوق معدلاتها الطبيعية في المنطقة الاستوائية. وتُشكل النينو المرحلة الدافئة من ظاهرة التذبذب الجنوبي (ENSO)، التي تتناوب مع المرحلة الباردة المعروفة بـ”لانينيا”.
تحدث ظاهرة النينو بشكل غير منتظم كل سنتين إلى سبع سنوات تقريباً، وتستمر عادة من 9 إلى 18 شهراً. وتؤثر في دوران الغلاف الجوي العالمي، فتغير أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة والرياح، وتزيد من احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة مثل الأمطار الغزيرة أو الجفاف أو موجات الحرارة، مع تفاوت هذه التأثيرات بين المناطق.
التأثيرات على سلطنة عمان
تشير الدراسات الإحصائية التي أجراها المركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة بهيئة الطيران المدني، استناداً إلى بيانات الفترة من 1980 إلى 2025، إلى وجود ارتباط واضح بين ظاهرة النينو وزيادة معدلات هطول الأمطار في السلطنة، خاصة في المناطق الشمالية، وارتباط ذلك بالأخاديد الجوية الغربية الشتوية خلال الفترة من أكتوبر إلى مايو.
وبحسب هذه التحليلات، ارتبطت سنوات النينو بزيادة في معدلات الهطول المطري بلغت حوالي 20% خلال الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر، و31% خلال ديسمبر إلى فبراير، و54% خلال مارس إلى مايو، مقارنة بالمعدلات المناخية. ويُعد هذا الارتباط أوضح في شمال السلطنة، حيث يساهم تدفق الرطوبة المتأثر بالظاهرة في تعزيز الأمطار المرتبطة بالمنخفضات والأخاديد الغربية.
أما درجات الحرارة، فتظهر التحليلات التاريخية ارتباطاً طفيفاً بارتفاعها في بعض الفترات خلال سنوات النينو، مع تفاوت التأثيرات بين المناطق. كما تشير التقارير إلى استمرار فرص تشكل الحالات المدارية في بحر العرب خلال فترات معينة، مع تباين شدتها ونشاطها حسب الظروف الجوية والمحيطية السائدة، دون أن تكون الظاهرة ضماناً لحدوث أعاصير.
أمثلة تاريخية
شهدت السلطنة حالات ماطرة ملحوظة خلال دورات قوية سابقة للنينو. ففي مارس 1997، تتابعت العواصف الرعدية والأمطار الغزيرة، وسُجل إجمالي هطول يصل إلى نحو 86 ملم في بعض السجلات مقارنة بمعدلات أقل. أما في مارس 2016، خلال ظاهرة النينو القوية (2015-2016)، فتأثر شمال السلطنة بمنخفض “الهمايل” المرتبط بأخدود جوي عميق، ما أدى إلى أمطار رعدية غزيرة وجريان الأودية وفيضانات في عدة مواقع، وسُجلت كميات مرتفعة مثل 120.4 ملم في المضيبي. ورغم المخاطر، ساهمت هذه الأمطار في تعزيز الموارد المائية ورفع مستويات السدود والمياه الجوفية.
التوقعات الحالية (2026-2027)
وفقاً لتقارير المركز الوطني للإنذار المبكر الصادرة في أكتوبر 2026، تشهد ظاهرة النينو اشتداداً متسارعاً، مع توقعات ببلوغ ذروتها خلال نوفمبر وديسمبر 2026، واستمرار بعض التأثيرات حتى 2027. وتشير التوقعات الموسمية إلى احتمال هطول أمطار أعلى من المعدل المناخي في شمال السلطنة خلال أكتوبر ونوفمبر، مع فرص استمرار ذلك في ديسمبر في المناطق الشمالية، بينما تكون حول المعدل أو أقل في بعض المناطق الساحلية المطلة على بحر العرب. كما يُتوقع أن تبقى درجات الحرارة أعلى من المعدلات المعتادة في مختلف أنحاء السلطنة خلال أكتوبر إلى ديسمبر.
ويحذر التقرير من أن تحقق هذه المؤشرات قد يصاحبه هطول غزير إلى شديد الغزارة يؤدي إلى جريان الأودية والشعاب، وربما جريان جارف يؤثر على المناطق المنخفضة والقريبة من المجاري، مع هبوب رياح نشطة واحتمالية تساقط البرد وارتفاع أمواج البحر في مناطق العواصف. كما تستمر فرص تشكل حالات مدارية في بحر العرب خلال أكتوبر إلى ديسمبر، دون تأكيد وقوعها.
يؤكد المسؤولون في الأرصاد العمانية، مثل عبدالله الخضوري مدير عام الأرصاد الجوية، أن هذه التوقعات مؤشرات موسمية احتمالية قابلة للتحقق أو التغير، ولا تعني تأكيد وقوع حالة جوية محددة، إذ تتأثر النتائج بتفاعل عوامل مناخية إقليمية وعالمية متعددة وليس بالنينو وحدها.
تُمثل ظاهرة النينو تحدياً وفرصة في آن واحد لسلطنة عمان. فهي قد تجلب أمطاراً مفيدة تعزز المخزون المائي في بلد يعاني من ندرة المياه، لكنها تحمل مخاطر الفيضانات والظواهر المتطرفة التي تتطلب استعداداً جيداً. ويواصل المركز الوطني للإنذار المبكر رصد التطورات وتحديث التوقعات، مما يدعم جاهزية القطاعات الوطنية للتعامل مع التأثيرات المحتملة. ويظل الوعي المجتمعي والالتزام بإجراءات السلامة أثناء الأمطار الغزيرة من أهم وسائل تقليل الأضرار.